عبد الملك الثعالبي النيسابوري
30
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
أوصافي لمولاي - أدام اللّه تعالى عزه ! - تودع الشوق إليه حبات القلوب كما تملأ له بالمحبة أوساط الصدور . فلا تغادر ذا قدح فائز في الفضل وخصل سابق في خصال العلم ، إلا ونار الحنين حشو ثيابه أو يرحل إليه ، وينيخ ركائب السير لديه ، لا جرم أن جلّ من يحضرني يطالبني بالإذن له في قصده ، ويهتبل « 1 » غرة الزمان في الخطوة بقربه ، نعم وذوو التحصيل إذا حظوا لدي بزلفة ، وأحصفوا عروة خدمة ، واعتقدوا أنهم إن لم يعتمدوا ظله ، ولم يعتلقوا حبله ، كانوا كمن حج ولم يعتمر ، ودخل ظفار ولم يحمر « 2 » ، إلا أن جميعهم إذا دفعته اندفع ، وإذا خدعته انخدع ، غير واحد ملط ملحف مشطّ « 3 » يغريه الرد بالمراجعة ، ويغويه المنع للمعاودة ، ويقول بملء لسانه إلى أن يسأم ، ويقتضي طول زمانه حتى يسأم ، وكم جررته على شوك المطل ، ونقلته من حزن إلى سهل . وصرفته على إنجاز وعد بوعد ، ودفعته من استقبال شهر إلى انسلاخ شهر ، ثم خوفته كلب الشتاء أجعل الربيع موعدا ، وحذرته وهج المصيف أعطيه للخريف موثقا . وكم شغلته بعمالة بعد عمالة ، ووفادة بعد وفادة ، أريد في كل أن أصدفه عن وجهته « 4 » ، وأصده عن عزمته ، ليس لغرض أكثر من أن السؤال منه والدفاع مني تساجلا ، والالتماس منه والامتناع من جهتي تقابلا ، فلما خشيت صبابته بأصبهان أن يردها ، بل بخدمة مولاي أن يعتقدها ، تجنّى على قلبه ، أو يتحيف بمس من الجنون ثابت عقله ، ألقيت حبله على غاربه « 5 » ، وبردت بالإذن جمرات
--> ( 1 ) يهتبل : يغتنم . ( 2 ) ظفار : بوزن قطام مدينة بالقرب من صنعاء ، وأصل هذا من قول بعض ملوكهم : « من دخل ظفار حمر » أي تكلّم بالحميرية . ( 3 ) الملط : الرجل الخبيث الذي يسرق كل ما يقع نظره عليه ويستحلّه . الملحف : الكثير الإلحاح في سؤاله المشط : أي يجاوز الحدّ في أموره . ( 4 ) أصدقه عن وجهته : أصرفه عنها . ( 5 ) ألقيت حبله على غاربه : أي جعلته يتحمّل نتائج أعماله : والغارب : الكاهل ، وأعلى كلّ شيء .